عبد الله الأنصاري الهروي

143

منازل السائرين ( شرح القاساني )

--> فإذا انتهى إلى آخر هذا القسم وتحقّق بمقام التمكين المختصّ به ، تخطّى حينئذ مقام التجلّي الباطنيّ وتصدّى للدخول في حضرة جمع الجمع ، لتحقّقه بحقيقة المعرفة التي هي الإحاطة بعينه وإدراك ما له وعليه ، وذلك مبدء مقامات قسم النهايات ، وعند ذلك عرف حقيقة أنّ عليه بقيّة من حقوق الفناء في الفناء الذي هو إزالة قيد التقيّد بحكم أحد التجلّيين الظاهري والباطني ، بحيث لا يحجب كلّ واحد منهما بآثاره عن الآخر . فيتوجّه حينئذ توجّها حقيقيّا إلى حضرة جمع الجمع مستمدّا منها في ذلك باستعداده ، فتداركته العناية الأزليّة أوّلا بفناء معرفته المقيّدة بأحد التجلّيين وثانيا بفناء تعيّن كل منهما وتميّزه في حضرة جمع الجمع الذي هو أصلهما ومنشأهما ، وثالثا بالفناء عن شهود هذا الفناء ، وذلك عند ظهور كل واحد من الاسمين الظاهريّ والباطنيّ بكمالاتهما الاختصاصيّة المتعلّقة بكلّيات تعيّناتهما ورجوعهما بتلك الكمالات الاختصاصيّة وأحكامهما التميّزيّة إلى عين التعيّن الثاني والبرزخيّة الثانية ، فتحكم عليهما البرزخيّة باجتماع وامتزاج وفعل وانفعال بينهما وبين أحكامهما ، فيتولّد من بينهما حقيقة قلب متبحّر جامع بين الحضرتين ، هو صورة عين البرزخيّة الثانية ، فيظهر حينئذ حكم ذلك الفناء وحقيقته بأحكامه ومراتبه المذكورة آنفا ، وهو فناء العين في العين ، فيطلع من مشرق هذا القلب الكامل الشامل شمس التجلّي الذاتيّ الجمعيّ الكماليّ . فإنّ هذه البرزخيّة الثانية التي قلب هذا الكامل صورتها الحقيقيّة هي عين الحضرة الكماليّة وميراثها ، وهي أيضا عين المرتبة الثانية من مراتب التمكين ، فلم يبق عليه اسم ولا رسم ولا عبارة ولا إشارة تؤذن ذلك بحقيقة تميّز وإضافة . نعم - اللهمّ إلّا أثر خفيّ من حكم أحد الكلّيات الأصول من الأسماء ، فيتمكّن السيّار حينئذ من التلبّس بأيّ لباس شاء ويظهر في أيّ مظهر أراد ، ويتمكّن من معرفة معروفه في أيّ لباس ظهر وفي أيّ صورة تجلّى حقّا وخلقا ، وهذا هو مقام التلبيس وهو أعلى مراتب التمكين الذي هو التمكين في التلوين .